سيد محمد طنطاوي
446
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقال بعض العلماء : والذي تخلص لي أن حكمة السكنى للمطلقة ، أنها حفظ للأعراض ، فإن المطلقة يكثر التفات العيون لها ، وقد يتسرب سوء الظن إليها ، فيكثر الاختلاف عليها ، ولا تجد ذا عصمة يذب عنها ، فلذلك شرعت لها السكنى ، فلا تخرج إلا لحاجياتها الضرورية . . ومن الحكم - أيضا - في ذلك أن المطلقة قد لا تجد مسكنا ، لأن غالب النساء لم تكن لهن أموال ، وإنما هن عيال على الرجال . . ويزاد في المطلقة الرجعية ، قصد استبقاء الصلة بينها وبين مطلقها ، لعله يثوب إليه رشده فيراجعها . . فهذا مجموع علل ، فإذا تخلفت واحدة منها لم يتخلف الحكم ، لأن الحكم المعلل بعلتين فأكثر لا يبطله سقوط بعضها . . « 1 » . واسم الإشارة في قوله : * ( وتِلْكَ حُدُودُ اللَّه ) * يعود إلى الأحكام التي سبق الحديث عنها ، والحدود : جمع حد ، وهو ما لا يصح تجاوزه أو الخروج عنه . أي : وتلك الأحكام التي بيناها لكم ، هي حدود اللَّه - تعالى - التي لا يصح لكم تعديها أو تجاوزها ، وإنما يجب عليكم الوقوف عندها ، وتنفيذ ما اشتملت عليه من آداب وهدايات . ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة من يتجاوز حدوده فقال : * ( ومَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّه فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَه ) * أي : ومن يتجاوز حدود اللَّه التي حدها لعباده ، بأن أخل بشيء منها ، فقد حمل نفسه وزرا ، وأكسبها إثما ، وعرضها للعقوبة والعذاب . وقوله - تعالى - : * ( لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّه يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً ) * ترغيب في امتثال الأحكام السابقة ، بعد أن سلك في شأنها مسلك الترهيب من مخالفتها ، ودعوة إلى فتح باب المصالحة بين الرجل وزوجه ، وعدم السير في طريق المفارقة حتى النهاية . . والخطاب لكل من يصلح له ، أو هو للمتعدى بطريق الالتفات ، والجملة الكريمة مستأنفة ، مسوقة لتعليل مضمون ما قبلها ، وتفصيل لأحواله . أي : اسلك - أيها المسلم - الطريق الذي أرشدناك إليه في حياتك الزوجية ، وامتثل ما أمرناك به ، فلا تطلق امرأتك وهي حائض ، ولا تخرجها من بيتها قبل تمام عدتها . . . ولا تقفل باب المصالحة بينك وبينها ، بل اجعل باب المصالحة مفتوحا ، فإنك لا تدرى لعل اللَّه - تعالى - يحدث بعد ذلك النزاع الذي نشب بينك وبين زوجك أمرا نافعا لك ولها ، بأن يحول البغض إلى حب ، والخصام إلى وفاق ، والغضب إلى رضا . .
--> ( 1 ) تفسير التحرير والتنوير ج 28 ص 304 لفضيلة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور .